قصة المشجع الكونغولي الذي أعاد احياء ذاكرة باتريس لومومبا في المدرجات
قصة المشجع الكونغولي الذي أعاد احياء ذاكرة باتريس لومومبا في المدرجات ..التشجيع رسالة ذاكرة وسيادة

لم تقتصر مشاهد مدرجات كأس أمم إفريقيا بالمغرب 2025 على الأعلام والهتافات، بل حملت هذه المرة حضورًا استثنائيًا شدّ الانتباه. مشجع كونغولي اختار أن يظهر بهيئة غير مألوفة، مرتديًا بدلة داكنة ونظارات سميكة، ورافعًا ذراعه بإيماءة راسخة أعادت إلى الأذهان صورًا محفورة في الذاكرة الإفريقية. لم يكن المشهد عابرًا، بل بدا وكأنه استدعاء مباشر للتاريخ داخل فضاء كروي صاخب.
سرعان ما تحولت اللقطة إلى حديث المدرجات والمنصات الرقمية. فالرجل، الذي لم يرفع شعارًا ولم يردد اسم لاعب، اختار أن يستحضر شخصية باتريس لومومبا، أحد أبرز رموز النضال الإفريقي. بذلك، تحوّل التشجيع إلى فعل رمزي، واكتسب الحضور صبغة سياسية هادئة لا تعتمد على الخطاب، بل على الصورة والإيماءة.
ويُدعى هذا المشجع ميشيل كوكا مبولادينغا، وهو من أنصار منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية. يقول إن اختياره لتقمص شخصية لومومبا نابع من قناعة بأن رمزيته ما تزال حاضرة في زمن تتجدد فيه أسئلة الكرامة والسيادة داخل القارة، حتى في فضاءات يفترض أنها مخصصة للترفيه والرياضة.
لم يكن الظهور مجرد تنكر احتفالي. فقد حرص المشجع على أداء متكامل، اتسم بالهدوء والتركيز والاقتصاد في الحركة، ما جعل الإشارة أبلغ من أي هتاف. ظل محافظًا على وقفته الصامتة، فيما كانت صورته تنتشر بسرعة على مواقع التواصل، وكأن الرسالة المقصودة هي التذكير لا التسلية.

المدرجات كمساحة للذاكرة
لطالما تجاوزت كرة القدم الإفريقية حدود اللعبة، خاصة خلال نهائيات كأس الأمم الإفريقية. فهي فضاء جماعي تختلط فيه الأغنية بالرمز، ويتقاطع فيه التشجيع مع التاريخ دون خطب مباشرة. داخل المدرجات، تجد القارة فرصة لرواية ذاتها بلغاتها ولهجاتها وذاكرتها المثقلة بالأسئلة المفتوحة.
من هذا المنطلق، لم يكن غريبًا أن يلفت “مشجع لومومبا” أنظار المصورين. حضوره لم يكن صرخة عابرة، بل استحضارًا لحكاية نادرة في زمن السرعة، حكاية ترفض أن تُستهلك بالتصفيق ثم تُنسى.
واختيار لومومبا تحديدًا لا يخلو من دلالة. فهو اسم مرتبط بالسؤال الإفريقي الأعمق: لماذا يدفع بعض القادة ثمن محاولة بناء دولة مستقلة؟ ولماذا يصبح السعي إلى السيادة، في لحظات معينة، تهمة أثقل من الفشل نفسه؟

باتريس لومومبا… رمز الصدام مع الاستعمار
كان باتريس إيميري لومومبا من أبرز قادة الحركة الوطنية في الكونغو خلال السنوات الأخيرة من الاستعمار البلجيكي. ومع إعلان الاستقلال في 30 يونيو 1960، برز اسمه كرئيس وزراء لدولة حديثة العهد، حاملة لآمال كبيرة ومخاوف أكبر.
غير أن الدولة الجديدة وُلدت وسط ظروف معقدة، تميزت بانقسامات سياسية واضطرابات داخل الجيش ومؤسسات هشة خلّفها الاستعمار، فضلًا عن صراع دولي محتدم حول بلد غني بالثروات في سياق الحرب الباردة. وفي خطاب الاستقلال الشهير، خرج لومومبا عن لغة المجاملات، وواجه إرث الاستعمار مباشرة، في لحظة اعتُبرت إعلانًا مبكرًا لصدام قادم.
لم تمضِ أسابيع حتى دخلت الكونغو في أزمة عميقة، تخللتها تمردات داخلية وصراعات على السلطة وانفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن. ورغم تدخل الأمم المتحدة، تعقّد المشهد أكثر، وتحولت البلاد إلى ساحة لتقاطع المصالح الدولية مع هشاشة الداخل.
في خضم هذه التطورات، أُزيح لومومبا من السلطة، ثم اعتُقل، قبل أن يُقتل في يناير 1961. ومنذ ذلك الحين، ظل اغتياله من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ إفريقيا الحديث، باعتباره نتيجة تداخل عوامل داخلية مع حسابات قوى كبرى.
الخيط المغربي في القصة
لا تنفصل قصة لومومبا عن سياق إفريقي أوسع، كان المغرب جزءًا منه في مرحلة ما بعد الاستقلال. ففي تلك الفترة، كانت القارة تعيد تشكيل ذاتها سياسيًا، وتدرك أن الاستقلال لا يكتمل بإعلان رسمي فقط، بل بامتلاك القرار وحمايته.
ومع اندلاع أزمة الكونغو، شارك المغرب ضمن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، ليكون حاضرًا في واحدة من أكثر الساحات الإفريقية حساسية آنذاك. كما شكّل مؤتمر “مجموعة الدار البيضاء” سنة 1961 إطارًا لتيار إفريقي رفع سقف المطالبة بالسيادة والتضامن بين الدول المستقلة حديثًا، وكانت قضية الكونغو في صلب اهتمامه.
بهذا المعنى، تجاوز لومومبا حدود بلاده ليغدو رمزًا إفريقيًا لاختبار معنى الدولة والاستقلال. والمغرب، ضمن دول تلك المرحلة، عاش هذا الامتحان عن قرب، باعتباره جزءًا من مسار قاري مشترك.
لماذا يظهر لومومبا في “كان” المغرب؟
أحيانًا تقول المدرجات ما تعجز عنه المنابر الرسمية. فالمشجع الذي تقمص شخصية لومومبا لم يرفع مطلبًا سياسيًا، بل أعاد اسمًا ثقيلاً إلى الواجهة، ووضعه أمام أنظار الملايين في لحظة جماعية يصعب تجاهلها.
في كأس أمم إفريقيا، التي تمثل أكثر من مجرد منافسة رياضية، يبدو هذا الاستدعاء منطقيًا. فالكرة هنا مساحة ترى فيها إفريقيا نفسها، بفرحها وأسئلتها وجرحها المفتوح. وعندما يظهر لومومبا في المدرجات، لا يفسد الاحتفال، بل يذكّر بخلفيته العميقة: قارة ما تزال تفاوض معنى الاستقلال وحدوده.
في تلك اللحظة، يتحول المدرج إلى ذاكرة حيّة، وإلى رسالة صامتة تقول إن الفرح حاضر، لكن السؤال القديم لم يُنسَ بعد.




