آراء

خطاب الذكرى 46 للمسيرة الخضراء : ثقافة تفاوض راقية

خطاب الذكرى 46 للمسيرة الخضراء، ثقافة تفاوض راقية تعبر عن قوة حوارية كبيرة وبراعة جد مركزة ومعبرة، تجسد فعالية في ترتيب الأقوال، خطاب فيه مبدأ ومنطق وله مسار وضوابط ونهاية تحدد الحق وتفضح الباطل، خطاب فيه الدليل والاثبات مقابل التضليل والإفتراء والغوغائية والإستفزازات الجزائرية، خطاب لا يقوم على مفهوم القوة التقليدية وغرور القوة العسكرية التي تهدد بها الجزائر بعقلية الحرب الباردة، وإنما يستند إلى مفهوم القوة الحديثة كما هي في النظام العالمي الجديد، والتي تتأسس على توازن المكانة مع تعادل المقدرات.

فالأولى، تقوم على تناسق وتوافق المقومات المعبر عنها بالمكتسبات والدينامية الإيجابية والحقيقة الثابثة بالحقوق التاريخية والشعب والاعتراف الأمريكي وتحرير الكركرات وتنامي الدعم الملموس للإعتراف بالقضية واعتراف أزيد من 24 دولة، والقرارات الأممية وجهود المسار السياسي الموصول نحو حل نهائي وفق مباديء، وفي إطار ضوابط أممية لما بعد سنة2007، مما جعل المغرب لا يتفاوض على صحرائه وإنما يتفاوض على الطريقة والآلية التي هي الحل السياسي السلمي.

والثانية، هي توازن المقدرات المتمثل في توازن المصالح الوطنية والدولية والمتجسد في التعاون مع المينورسو في إطار مهامه المحددة وليس خارجها، وفي الدعم الكامل لجهود الأمين العام للأمم المتحدة لإيجاد حل سلمي في أسرع وقت باحترام المرجعيات الأمنية بعد سنة2007، وتعزيز التنمية الشاملة للاقاليم الجنوبية وجعلها فضاء للتنمية وليس للحرب عبر توفير الإستثمار الوطني والدولي وتقدير الدول والمجموعات الداعمة لمصالح المغرب، مع قطع الطريق عن الدول غامضة المواقف وصاحبة المواقف المزدوجة، والتي لا تحترم سيادة المغرب على صحرائه واعتبار الصحراء جوهر الوحدة الوطنية، والتي تقتضي مزيدا من التعبئة والدفاع والتنمية.

ولعل ارتباط معيار المكانة بمظهر المقدرات هو الذي رفع وحسن المحصلة والنتائج الدبلوماسية والسياسية والتنمية المغربية، وأعطاه مصداقية تسير نحو إيجاد حل سريع للقضية الوطنية في عالم أصبح متداخل المصالح والفرصـ ويعمل على التخلص من المخاطر والتحديات، بحث تغير شكل الصراع من صراع عسكري وإديولوجي إلى تبادل المصالح وإلى صراع أقتصادي-حضاري، فأصبحت المصداقية والأفضلية فيه لمن ينتج وينجز ويهتم ويساهم في حل المشاكل العالمية، وليس لمن يقرع طبول الحرب.

فالعالم الجديد، أصبحت القوة فيه نسبية وليست عسكرية مطلقة ولا مستقرة، وإنما متعددة الأبعاد، ولا يتحكم فيها عامل واحد حتى ولو كان النفط والغاز، فالقوة أصبحت مجموعة من العوامل المادية والمعنوية تصنع التأثير.

والمغرب اثبت أنه يمتلك الكثير من مقومات القوة الاقتصادية والصناعية والتجارية والتنمية والحقوقية والإنسانية والمساهمة الدولية في رفع تحديات العديد من المخاطر مثل الإرهاب وكل انواع الجريمة والهجرة والإحتباس الحراري والبيئة والمناخ، ودعم جهود السلم الاممية في مجموعة من الدول والمصالحة بينها، فضلا عن أشكال التضامن الإنساني وتخفيف معاناة الشعوب.

وقد تفوق على الجزائر في كل هذه المقومات المعنوية التي أعطته المصداقية والدعم الدولي، ناهيك عن الإستقرار والأمن، وهو ما صنع الفارق اليوم بين المغرب والجزائر التي أصبح عيكرها حائرا لا يعرف ما يقدم وما يؤخر سوى التهديد بالحرب كحل أخير لإخراج المغرب عن تركيزه في بناء موقعه العالمي الجديد، ولعل الحرب ستكون وبالا على نظام العسكر المتآكل وتقسيم الجزائر إلى3 دويلات أو أكثر.

ادريس قصوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى