آراء

تطور ومسار المؤسسة الأمنية بالمغرب – رأي

حاتم متقي – إن الحديث عن إدارة الأمن بالمغرب يتطلب منا عودة إلى الوراء لنقف على حال جهاز الأمن قبل فرض الحماية على المغرب وخاصة المرحلة التي شكلت فيها مؤسسة المخزن _ بدلا من نعت الدولة_ أحد أهم الوسائل الموكول لها اتخاذ التدابير الأمنية لإنعاش الحياة الإقتصادية وضمان أمن السكان وبالتالي الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، ثم كان لابد من تتبع مسار المؤسسة الأمنية ونتابع مظاهر تطورها بعيد الإستقلال حتى نصل إلى المرحلة الحالية.

ثمة إجماع على أن مؤسسة المخزن أصبحت منذ العصر الحديث تدل على مجموع التنظيمات الإدارية، التي تشكلت تدريجيا بفعل الضرورات الداخلية المتمثلة في الحفاظ على الأمن وتحصيل الضرائب، ثم التزامات السياسة الخارجية وما واكبها من تبادل المبعوثين، وتوقيع الإتفاقيات التجارية وافتداء الأسرى، كل ذلك أضفى على المخزن تدريجيا شكل مؤسسة سياسية حقيقية ومثل كنه المخزن نمطا سلوكيا ونهجا اقتدت به الدول المتعاقبة على حكم المغرب، لتنظيم الجيش ولتدبير الشأن العام . كما ذكر المولى إسماعيل في إحدى رسائله إلى علماء الأزهر، التي ميز فيها بين الدولة باعتبارها نظاما لتعاقب الأسر الحاكمة، وبين المخزن بوصفه طريقة عمل، حينما قال:” وكل دولة جاءت بعد أخرى تجد الجيش قدامها موجودا موفرا، مدربا على طريقة المخزن ومعرفة قوانينه وسيرته…” وفي هذا الإطار ميز الباحث السوسيولوجي الدكتور عبدالله العروي معنيين من بين المعاني المتعددة لمصطلح المخزن؛ المعنى الضيق يقصد به الجيش والبروقراطية، وكل من يتقاضى راتبا من بيت مال السلطان، وحدّد مهمة هذا الجهاز في الحفاظ على الأمن بالمدن على الخصوص، حيث كان المخزن يلجأ خلال الحركات إلى استعراض قوته العسكرية أمام السكان لترسيخ تفوقهم منه وتكريس عظمة المخزن في الأذهان وقدرته على بلوغ المقاصد مهما استعصى سبيلها، ويضفي عليه صورة السلطة المتفوقة تقنيا، والمستعدة للتصدّي للمتمردين أينما حلوا وارتحلوا.

الذكرى 59 للأمن الوطني | Maroc.ma

إن التنظيم الأمني وقيادة خطة الشرطة في الدولة المغربية منذ القدم اتخذ عدة أشكال وعدة مسميات حيث كان يطلق على رجال

الشرطة في الدولة المرينية اسم “الجنادرة” وهي الكلمة الفارسية التي تعني حمل السلاح وتولي صدارة الهرم الأمني في هذه الفترة

“المزوار” الذي يعتبر المسؤول الأمني الأول في عاصمة الدولة ويرأس مجموعة من الأعوان لتنفيذ مهماته كحراس أبواب المدن

‘البوابون” كما تعززت هذه المهام الأمنية بما عرف بالمؤذنين وحرس الليل أو “العريف” الذين كانوا من أهم أعوان صاحب الشرطة

في حراسة الأسواق والطواف بالليل في طرقات المدن لحمايتها من اللصوص ومنع ارتفاع الأصوات ليلا.

ولكن انطلاقا من أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ يتفكك منطق الدولة المخزنية، الذي كان سائدا قبل الحماية

الفرنسية ليحل محله تدريجيا منطق الدولة اليعقوبية والنموذج الأروبي عموما، وهو منطق يسميه الأستاذ ميلود الحمدوشي بمنطق

والذي بدت ملامحه منذ إبرام اتفاقية الجزيرة الخضراء سنة 》 العقلانية الغربية 《 1906 ، إذ نصت هذه الإتفاقية في الجانب الأمني

على إنشاء هيأة الشرطة في المدن الشاطئية وخاصة داخل الموانئ في إطار ضبط العلاقات التجارية بين المغرب وأوروبا، وكانت

هذه المبادرات السياسية والقانونية بذلك، إيذانا بخلق تنظيمات إدارية وقوانين عهد بتطبيقها لموظفين شكلت نواة صلبة لما يسمى

بالشرطة في المغرب عبر أداة شرطة الموانئ والجمارك.

إلا أن التأسيس الرسمي لمفهوم الشرطة والأمن في المملكة المغربية شرع فيه مع إبرام معاهدة الحماية، بين المغرب وفرنسا في 31

مارس 1912 ، إذ عكفت سلطات الحماية على سن قوانين وتنظيمات طالت الإدارة والمجتمع والقضاء وحتى النظام السياسي نفسه،

وهذا ما أفرز كذلك تنظيم هيئة الشرطة والأمن في إطار مؤسساتي رسمي سمي بالمديرية المركزية للأمن العمومي.

بعد ذلك وبعد حصول المغرب على استقلاله، عرف النظام الشرطي المغربي تحولات همت إطاره التنظيمي والهيكلي حيت عين

الملك الراحل محمد الخامس على رأس إدارة الأمن محمد الغزاوي سنة 1956 ،/ والذي كان والده وكيلا لأعمال القصور الملكية

بفاس، وقد تعلم أنظمة الشرطة العصرية من الكتب التي نهل منها،لكن معلمه الأول ظل التجارب التي مر بها يوما بعد يوم. فقد عمل

على تسيير هذه المؤسسة بمساعدة عدد كبير من الضباط الفرنسيين 3 /، مما يكرس طابع المنظومة الفرنسية على النظام الشرطي

المغربي،ثم استعاض عنهم بالمغاربة الذي يستطيع الإعتماد على ولائهم ومواهبهم التنظيمية وشجاعتهم.

كما أن الراحل الحسن الثاني استعان بأحد أهم الخبراء الأمنيين بفرنسا المسمى”ريمون ساسيا” الذي يعتبر أسطورة الشرطة الفرنسية

والحارس الشخصي للجنرال الفرنسي دوغول DE GAULLE لتكوين فرق متخصصة في الحماية الفردية كما لعب كذلك دورا كبيرا في إدارة الأمن الملكي.

إن الهدف الأساسي من خلال إنشاء المؤسسة الأمنية في المغرب الحديث يرتكز على خلق كيان مؤسساتي رسمي معترف به وخاضع

للقوانين الوطنية والدولية يقوم بواجباته الوظيفية تجاه الدولة وتجاه الشعب في تحقيق الأمن والاستقرار لأفراد المجتمع من خلال

منع الجريمة، واكتشافها والقبض على مرتكبيها، وتنفيذ العقوبة الصادرة بحقهم، والمحافظة على الأمن العام والآداب.

من هذا المنطق، ارتأينا تناول مسار المؤسسة الأمنية في المغرب في بعدها التاريخي وامتدادها الزمني مرورا بالتدعيم والتحديث

وصولا إلى دراسة وتتبع مسار المؤسسة الأمنية في التكريس الدستوري لها، وفي ظل المفهوم الجديد للسلطة ومبدأ الحكامة

الأمنية

حصيلة 2021..مديرية الأمن تكرس نهج التواصل المؤسساتي وتدعم انفتاحها على  وسائل الإعلام والمجتمع المدني - مملكة بريس اخبار المغرب

 التطور التاريخي للمؤسسة الأمنية ما بعد الإستقلال

إذا ما رجعنا إلى مرحلة قيام الحماية الفرنسية سنة 1912 نلاحظ أنه تم تسريع وثيرة الإصلاحات التي تهم هيأة الشرطة عبر

نصوص قانونية صدرت بين شهر شتنبر 1913 وشهر مارس 1930 ، فعملية “تأمين المغرب” احتاجت من بين ما احتاجت إليه إلى

بنية شرطية عصرية تقوم في المقام الأول على مصالح” استخبارات” ناجعة، سوف يكون لها بالغ الأثر في تحديث مصالح الأمن

بصفة عامة حيث اعتمد التنظيم الجديد للأمن غداة الإستقلال على ثلاث شعب رئيسية هي: الإستعلامات العامة والأمن الوطني

والشرطة القضائية.فالقرار الوزاري المؤرخ في 17 شتنبر 1913 أحدث لأول مرة “مصالح الشرطة العامة” أي شرطة البلدية

ومصلحة الأمن” عهد بها إلى الأمين العام للحكومة الشريفة، ولكن تحت السلطة المباشرة للقنصل العام للحكومة الشريفة، وتحت

السلطة المباشرة للقنصل أو المتصرف رئيس المصالح البلدية.وقد تكونت هيئة الشرطة الجديدة من عمداء الشرطة وأعوان لها، في

حيث عهد بتسيير المصالح البلدية داخل البلديات، التي كانت تتوفر على عمادة مركزية إلى عميد مركزي يرأس موظفي الأمن

ومجموع الموظفين العاملين بتلك المصالح.

وبالملموس فقد قام القرار الوزاري المذكور بخلق الأمانة العامة للحكومة الشريفة، وبخلق رئاسة الشرطة العامة، ثم بإنشاء إدارة

الشؤون الأهلية اختصت بالإستعلامات العامة، أما ظهير 15 ماي 1932 ، فتمكن من إعطاء الشرطة طابعها الحديث بإلحاقها

بالوظيفة العمومية وذلك بالتنصيص على ضرورة تأدية أجور موظفي الشرطة من الخزينة العامة للدولة، بينما أعاد ظهير 21 مارس

1930 تنظيم المصالح الأمنية ولواء الدرك. وبذلك بدأ عهد جديد في تاريخ المؤسسة الأمنية التي عرفت لاحقا تطورا ت هيكلية ووظيفية تماشيا مع التطورات التي شهدتها مختلف، أجهزة الدولة، والتغيرات العميقة التي شهدها المجتمع على مدى العقود الماضية، وخاصة منها توسع المجال الحضري الذي تتولى، الشرطة مسؤولية حفظ الأمن داخله، وبروز ظواهر إجرامية أكثر تعقيدا.

ذكرى تأسيس الأمن الوطني .. 65 سنة من التضحية في سبيل الحفاظ على استقرار  الوطن وأمن المواطنين | Maroc.ma

 المؤسسة الأمنية منذ إعلان الإستقلال

إن أهم ما ميز مرحلة الخمسينات من القرن 20 أي بعد حصول المغرب على استقلاله والتي اعتبرت فترة حساسة في التاريخ

السياسي المعاصر،تمثلت من خلال الصراع الحاد بين القصر ومكونات الحركة الوطنية حول السلطة بالبلاد؛ وقد شمل هذا الصراع

خاصة التتافس حول الحكم في الأدوات الردعية للسلطة والمتجسدة خاصة في الجيش والشرطة. إذ ليس اعتباطا، أو من الصدف

السياسية،أن يتم الإعلان عن تأسيس كل من القوات المسلحة الملكية في 14 ماي 1956 ، ويتلوه بعد يومين، أي في 16 ماي 1956 ،

الإعلان الملكي عن نشأة جهاز الأمن الوطني، فهذا “التزامن” يعكس إلى حد كبير وبعيد الإهتمام الكبير لهاتين المؤسستين. وبالتالي،

فقد عمل على الإشراف شخصيا على تأسيس المؤسسة الأمنية،والإشراف عليها،والعمل على ضبطها.

وما يميز مرحلة حصول المغرب على استقلاله هو إنشاء الإدارة العامة للأمن الوطني “كوريث ة” لإدارة مصالح الأمن العمومي)

الفصل الثالث من الظهير( بتاريخ 16 ماي 1956 ، والتي اعتبرت رمزا لسيادة الدولة المغربية ما بعد الإستقلال .

ولقد أرسى الملك الراحل محمد الخامس خلال فترة حكمه ) 1927 _ 1961 ( اللبنات الأولى لمؤسسة أمنية مهممتها حفظ الأمن

والنظام العام في سياق تاريخي مطبوع وقتها بالرغبة في بناء المؤسسات واستكمال السيادة الوطنية من خلال إناطة مصالح الأمن

الوطني بمهام الأمن العمومي والشرطة القضائية وشرطة الإستعلام داخل المجالات الحضرية، حيث تميزت الفترة الممتدة بين عام

1956 و و 1957 ، تنظيم البنيات المركزية للإدارة العامة للأمن الوطني على شكل مصالح خاصة بمراقبة التراب الوطني.

وبمجرد توليه للعرش، دشن الملك الراحل الحسن الثاني عهده بإصدار القانون الأساسي للمملكة،الذي كان بمثابة دستور مؤقت في

يونيو 1961 ، الذي جاء مكرسا للحقوق والحريات المنصوص عليها في الميثاق الملكي الصادر في 2 يونيو 1961 ، الذي جاء

مكرسا للحقوق والحريات المنصوص عليها في الميثاق الملكي الصادر في 2 ماي 1958 ، وبهذا تم تشكيل صرح النظامين

الدستوري والقانوني للمغرب الحديث، ما بعد الإستقلال .

وقد كانت سنة 1973 حاسمة في تاريخ المؤسسة الأمنية بالمغرب، فعلاوة على إحداث “المديرية العامة للدراسات والمستندات

DGED” الملحقة بالمجلس الأعلى للدفاع الوطني) ظهير 12 ماي 1973 ( ثم إحداث “المديرية العامة لمراقبة التراب DGST” أنيطت بها مهمة حماية وحفظ أمن الدولة ومؤسساتها)ظهير 12 يناير 1973 ( وهذه المديرية العامة الأخيرة الملحقة بوزارة الداخلية،

تمت إعادة ترتيبها وأصبحت “مديرية مراقبة التراب الوطني” تابعة رأسا للإدارة العامة للأمن الوطني بموجب ظهير 2 يناير

1974 . وفي العهد الجديد وعلى غرار الإصلاحات السابقة فقد شكل خطاب الملك محمد السادس ليوم 12 أكتوبر 1999 بالدارالبيضاء عن مفهوم جديد للسلطة، كمحطة من المحطات الهامة في تاريخ المؤسسة الأمنية بالمغرب وفي منظومة تحديث إدارة الأمن الوطني والإرتقاء بها إلى مصاف المرافق العمومية الأقرب إلى الإنتظارات اليومي ة للمواطن.

كما أن الإطار العام الذي تتمحور حوله السياسات الأمنية شهد بدوره تحولات وتطورات ساهمت في بلورتها التحولات الإجتماعية

والحقوقية والسياسية لذلك نجد أن أبعاد الحكامة الأمنية حاضرة بقوة في صلب الوثيقة الدستورية سواء ضمنيا أو من خلال إقرار

مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية.

2021.. الحصيلة السنوية لمصالح الأمن الوطني - الأحداث المغربية - Alahdat

 مرحلة التأسيس

كانت البداية، عندما أرسى جلالة الملك الراحل محمد الخامس، اللبنات الأولى لمؤسسة أمنية مهمتها حفظ الأمن والنظام العام في

سياق تاريخي مطبوع وقتها بالرغبة في بناء المؤسسات واستكمال السيادة الوطنية؛ وقد انعكس اهتمام الملك محمد الخامس بهذه

المؤسسة من خلال تكليف محمد الغزاوي بإنشاء هذا الجهاز والإسراع في تكوينه. وأيضا احتفاظه بعيد الإستقلال على جهاز

المخابرات السرية أو ما كان يسمى بجهاز الكاب 1 الذي كان يشغله كأول مدير عام للأمن الوطني ورئيس المخابرات السرية

بالمغرب، الذي كان لايخضع لوزير الداخلية لكنه تحت السلطة المباشرة للقصر؛ أي أنه كان يتلقى تعليماته وأوامره من الملك كما

كان يعرض تقاريره عليه شخصيا، بما يعني أن الحكومة لم تكن لديها أي سلطة لهذا الجهاز.

وقد تميزت الفترة الممتدة بين 1956 _ 1957 بتنظيم البنيات المركزية للإدارة العامة للأمن الوطني على شكل مصالح، ومن بينها

مصلحة خاصة بمراقبة التراب الوطني ومن أجل تدعيم الشرطة المغربية في مباشرة مهامها، ثم خلق قيادة عليا للفرق المتنقلة

للتدخل السريع، ومكتب مركزي للتشخيص القضائي. وفي سنة 1957 ، تم إحداث مكتب مكلف بالعلاقات والتنسيق مع المنظمة العالمية للشرطة الجنائية) أنتربول، أطلق عليه إسم “المكتب المركزي الوطني.

جديد مباراة الأمن الوطني.. الترشيح عن طريق الأنترنيت، التوظيف المباشر وفتح  مباريات توظيف في درجة

  التدعيم والتحديث

حرص جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني، على تدعيم عمل مصالح الإدارة العامة للأمن الوطني وتحديث بنياتها، وهو ما ترجمته

على أرض الواقع إصلاحات وتغييرات جذرية طالتها، إن على مستوى التنظيم والهيكلة أو على مستوى المهام. وفي سنة 1964 ، تم

اعتماد هيكلة جديدة للإدارة العامة للأمن الوطني، توخت تجميع وإعادة تنظيم المصالح المركزية في شكل مديريات فرعية وهي:

المديرية الفرعية الإدارية “شؤون الموظفين والعتاد، المديرية الفرعية للرقابة والتوجيه)التدريب(، المديرية الفرعية للأمن العمومي،

المديرية الفرعية للشرطة القضائية، المديرية الفرعية للمستندات العامة والتقنين، الإستعلامات، الأنشطة الإقتصادية المقننة، الإقامة

والهجرة.

وفي سنة 1979 ، تم الشروع في حفظ البيانات الديموغرافية لكل شخص حامل البطاقة التعريف الوطنية، من خلال خلق قاعدة بيانات

معلوماتية وفق مقتضيات القانون الصادر في 15 فبراير 1977 .

أما سنة 1979 ، فقد تميزت بتأسيس المديرية الفرعية للتقنين قبل أن يعقبها، بعد عشر سنوات، تنظيم جديد للإدارة العامة للأمن

الوطني وإحداث ثمانية مديريات مركزية، وهي مديرية التجهيز والميزانية ، ومديرية الموظفين، ومديرية التكوين والتعاون الدولي،

ومديرية الأمن العمومي، ومديرية الشرطة القضائية، ومديرية الشرطة التقنية والعلمية،ومديرية الإستعلامات العامة، ومديرية التقنين

وشرطة الحدود.

بعد تربع جلالة الملك محمد السادس، على عرش أسلافه المنعمين بتاريخ 31 يوليوز 1999 ، شكلت هذه المناسبة لحظة تاريخية في

زمن الإنتقال الديموقراطي بالمغرب والذي كان من أبرز وأهم محطاتها إعلان جلالته عن ميلاد مفهوم الجديد للسلطة الذي يترجم

رؤية جلالته لضرورة استجابة الموظف العمومي لحاجيات وانتظارات المواطنين، في إطار مفهوم الإنفتاح والتواصل وتقريب

الخدمات.

هذه الرؤيا الملكية السامية شكلت عماد منظومة تحديث الإدارة العامة للأمن الوطني آنذاك، رغبة في مواكبة الإصلاحات السياسية

الكبرى على المستوى الوطني، الأمر الذي مكن من الإرتقاء بالمؤسسة الشرطية إلى مصاف المرافق العمومية الأقرب إلى

الإنتظارات اليومية للمواطن.

المسار القانوني للمؤسسة الأمنية والمفهوم الجديد للسلطة

يمكن اعتبار المؤسسة الأمنية من المؤسسات المحورية داخل النظام السياسي بالمغرب، إلى جانب المؤسسة الملكية، والمؤسسة

العسكرية. إذ تعتبر الأكثر تنظيما وأكثر عصرنة، إلى جانب كونها تمتلك، وعلى غرار المؤسسة العسكرية، انضباطا خاصا، وهرمية

متينة، بالإضافة إلى امتلاك جزء من آليات العنف المشروع.

لكن بخلاف باقي المؤسسات السياسية الأخرى كالمؤسسة الملكية؛ والمؤسسة الحكومية؛ والمؤسسة القضائية التي نص عليها الدستور

المغربي في مختلف تعديلاته ومراجعاته المتعدّدة ) 1962 _ 1970 1972 _ 1980 _ 1992 1996 ؛( نجد أن هناك شبه سكوت تام

للنص الدستوري عن المؤسسة العسكرية، وبالأخص المؤسسة الأمنية. فهناك صمت مطبق حول هذه المؤسسة في الوقت الذي يتم

فيه الإشارة إلى عدة مؤسسات أخرى، التي لا تتمتع بأي حضور سياسي مستمر وقوي مثل الحضور الذي لدى للمؤسسة الأمنية

داخل الحقل السياسي المغربي عبر كل تطوراته ومراحله السياسية.

لكن بعد الحراك السياسي الذي عرفه المغرب منذ فبراير 2011 في إطار الحراك الذي عرفته المنطقة العربية، تمت المصادقة على

دستور فاتح يوليوز 2011 الذي أفرد لأول مرة لهذه المؤسسة حيزا قانونيا، وقد أقر هذا الدستور مجموعة من الحقوق الفردية

الأساسية كالحق في الحياة، مجرما أي مساس بسلامة الشخص الجسدية أو المعنوية، ومحرما أي شكل من أشكال التعذيب الشيء

الذي انعكس من خلال الفصل 20 21 22 23 الذي تناولها الباب الثاني من الحقوق والحريات الأساسية.

والأكيد أن المفهوم الجديد للسلطة جاء في سياق تاريخي تميز ببدايات انفتاح السلطة العليا وتوافقات السياسيين حول أهم التوجهات

والخيارات السياسية إلى جانب الإصلاحات المؤسساتية التي غطت مرحلة التسعينات والتي اعتبرت التأثيت الموضوعي والمرجعي

للمفهوم، أما السياق الثاني فهو سياق سياسي بامتياز، إذ على هذا المستوى فإن الدعوة إلى المفهوم الجديد للسلطة تزامن مع ما عرف

بتجربة التتاوب التوافقي التي اعتبر فيها الإصلاح والتغيير والتهيؤ للإنتقال اليموقراطي أحد عناوينها الكبرى.

وهكذا فإن المؤسسة الأمنية بدورها انخرطت في تبني وتفعيل هذا المفهوم خاصة أن النظام الأمني بالمغرب فرض بقوة المؤسسة

الشرطية لتبقى حاضرة في الحقل السياسي بمختلف تطوراته وانعطافاته، لاسيما أنها كانت حاضرة في أتون الصراع السياسي بين

المؤسسة الملكية في مواجهتها لمعارضتها السياسية، كما شكلت القناة الأساسية للتحكم في نخب النظام، ولعبت دورا أساسيا وحاسما

ليس فقط في تفكيك خلايا السلفية الجهادية بل أيضا احتواء الحراك الشعبي.

وفي هذا الإطار، تم تسطير ثلاث محطات مفصلية في سياق مأسسة مفهوم الحكامة الأمنية بالمغرب: المحطة الأولى هي مرحلة

التأسيس لمفهوم جديد للسلطة ينتقل بها من جهاز لضبط الأمن والمحافظة على النظام العام إلى مرفق عمومي خدماتي، بأبعاد إنسانية

وتنموية، تجتمع فيه ثلاثية الأمن والتنمية وحقوق الإنسان. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة النقاش المشترك بين مختلف الفاعلين

المؤسساتيين والمجتمعيين لإعداد تصور توافقي لمرتكزات الحكامة الأمنية تقوم أساسا على الإصلاح التشريعي والهيكلي للأجهزة

الأمنية، والتكوين الممنهج لموظفي الأمن في مجال حقوق الإنسان وتعزيز الشفافية والرقابة على العمليات والتدخلات الأمنية…إلخ.

وفي المحطة الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة التنزيل الدستوري حيث أصبحت الحكامة الأمنية بحسب الفصل 54 من الدستور، مقتضى

دستوريا ملزما للسلطات العمومية، وتتوفر على آلية دستورية لضمان ممارستها تتمثل في إحداث المجلس الأعلى للأمن

المفهوم الجديد للسلطة

يطرح المفهوم الجديد للسلطة تحديا جديدا على مرفق الأمن ويفرض تغيير ا جذريا في وظائف الأجهزة الأمنية بالمغرب من قوات

مسلحة، ودرك ملكي، وقوات مساعدة، وأمن وطني. ذلك أن المفهوم الجديد للسلطة جاء ليحول وظيفة مرفق الأمن باعتباره مرفقا

عاما مثله مثل باقي المرافق العمومية من مرفق تقليدي إلى مرفق عصري يهدف إلى تقديم خدماته بفعالية عالية، ومسؤولية وفق

منظور حكماتي يضع في صلب أولوياته احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية وانتظارات المواطنين.

إن القطيعة مع المفهوم التقليدي للشرطة كقوة عمومية وأداة في يد السلطة هدفها النهائي هو الحفاظ على النظام من الإضطراب من

جهة، وحماية المؤسسات القائمة من جهة أخرى، أدت إلى ظهور مفهوم “الشرطة كمرفق عمومي” أساسه الحفاظ على دينامية

الشرطة في الحفاظ على النظام العام والمؤسسات، بالإضافة إلى أن تركز اهتماما على المواطنين والمقيمين فوق تراب الدولة، وذلك

بأن تصبح في خدمتهم وأن تحسن الإستجابة في تمتيعهم بحقوقهم وممارستهم لحريتهم. وقد تطور مفهوم الشرطة كمرفق عمومي في

العديد من الدول تحث تأثير عوامل مختلفة، أما في المملكة المغربية، فقد ظهرت تجربة التحديث داخل الشرطة، والهادفة إلى جعل

المؤسسة الأمنية مرفقا عموميا بامتياز، في سياق تحديثي مغربي يؤطره المفهوم الجديد للسلطة الذي دعا إليه الملك في 12 أكتوبر

1999 .

فمرفق الأمن الوطني لم يعد منشغلا فقط بتدبير الحفاظ على النظام العام وبفك ألغاز الجرائم، بل أصبح شعار “الخدمة الجيدة” عبارة

عن موّجه من الموجهات الكبرى للعمل والأداء الشرطيين مع التركيز على القرب والتواصل والإنفتاح على الجمعيات ووسائل

الإعلام.

دسترة المؤسسة الأمنية

لقد راهن المغرب على إصلاح منظومة الأمن وتبني مبادئ الحكامة الأمنية في سياق الإنتقال الديموقراطي مرتكزا على توصية هيئة

الإنصاف والمصالحة ودستوره الجديد لسنة 2011 ، وقد أشار المشرع الدستوري إلى المؤسسة الأمنية والعمل على ضمانة حكامة

جيدة لها من خلال إحداث مجلس أعلى للأمن أنيطت به مهمة تدبير الأزمات، والسهر على ضوابط الحكامة الجيدة، وهذا ما نص

عليه الفصل 54 من الدستور الحالي

وهكذا ارتقى هذا الفصل من الدستور بالمجلس الأعلى للأمن إلى موقع مؤسسة دستورية تشاورية بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي

والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الجيدة.

كما منح الدستور رئاسة المجلس للملك، القائد العام للقوات المسلحة الملكية، كما منحه إمكانية أن يفوض لرئيس الحكومة صلاحية

رئاسة اجتماعات المجلس، لكنه قيد هذا التفويض بضرورة وضع جدول أعمال محدد. بالإضافة إلى ذلك فقد منح الدستور لأول مرة في تاريخ المغرب فرصة للمدنيين للمساهمة في وضع السياسات الأمنية للبلاد إذ تتكون

تركيبة المجلس الأعلى، إلى جانب العسكريين، من رئيس الحكومة ورئي س مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، والرئيس

المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والوزراء المكلفين بالداخلية، والخارجية والعدل، وإدارة الدفاع الوطني، إلى جانب

المسؤولين عن الإدارة الأمنية، وضباط سامية بالقوات المسلحة الملكية، لم يحددهم وجعل تركيبة المجلس مفتوحة على شخصيات

مدنية وعسكرية يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس كالخبراء، وغيرهم من المتخصصين، الذين يمكنهم أن يحضروا أشغال

المجلس لتقديم التقارير أو إسداء المشورة حول ملف معين يكون معروضا أمام أنظار المجلس كما أنيطت بهذا المجلس وضع

الإستراتيجيات الأمنية وتدبير الملفات الأمنية الكبرى التي تعرفها البلاد، إذن، فمن المنتظر أن المجلس الأعلى للأمن سيمكن قادة

مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والعديد من المصالح المتداخلة في المجال الأمني بالمغرب وهي: المديرية العامة للأمن الوطني،

والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، ومصالح الإستعلامات العسكرية والسلطات المحلية من

اللقاء بشكل مباشر ومنتظم وتبادل المعلومات بخصوص الملفات الأمنية الحساسة، مما سيمكن من رفع مستوى التنسيق بين هاته

الأجهزة من أجل الوصول إلى النجاعة الأمنية المطلوبة في تدبير الملفات.

ومن خلال منطوق هذا الفصل، يلاحظ بأن المجلس رغم أنه لا يتمتع إلا بصلاحيات استشارية، فقد كرس لأول مرة دستورية

المؤسسة الأمنية، وأخرجها من منطقة الظل السياسي الذي كانت تتوارى ورائه،/ 1 في انتظار صدور قانون يؤسس لهذا المجلس

والتقعيد القانوني للحكامة الأمنية. بالإضافة إلى ذلك فالتنصيص على انفتاح المؤسسة الأمنية على فعاليات سياسية وحكومية من خلال نوعية تركيبتها التي تجمع بين ممثلي السلطة التشريعية، وممثلي السلطة القضائية، وكذا وزراء السلطة التنفيذية منح المؤسسة الأمنية وجودا دستوريا وقانونيا وسياسيا لم تكن تتوفر عليه فيما قبل، حيث حولها من أداة تعمل في سر إلى مؤسسة تشتغل علنا إلى جانب السلطة.

زر الذهاب إلى الأعلى