السنة الأمازيغية بالمغرب.. طقوس ضاربة في التاريخ تتحول إلى احتفال وطني جامع
السنة الأمازيغية بالمغرب.. طقوس ضاربة في التاريخ تتحول إلى احتفال وطني جامع

تحلّ السنة الأمازيغية، المعروفة بـ«يناير»، كل عام محمّلة بطقوس جماعية تعكس عمق الارتباط بالأرض وقيم التضامن والتعايش داخل المجتمع المغربي. فإلى جانب العادات المرتبطة بالمطبخ التقليدي، تشكل هذه المناسبة فضاءً لتجليات ثقافية متنوعة، من تبادل المواد الغذائية إلى الولائم الجماعية والأهازيج والقصائد المغنّاة، وهي ممارسات توارثتها الأجيال وتحولت اليوم إلى رمز لاحتفال وطني رسمي.
ولا يُنظر إلى رأس السنة الأمازيغية باعتبارها مجرد موعد احتفالي، بل تمثل إحدى أبرز صور نقل القيم الثقافية المشتركة، وقيم المشاركة والانتماء التي تميز الهوية المغربية. وبفضل طقوسها القديمة وتعبيراتها الفنية الجماعية، تعكس «يناير» فكرة الانفتاح والتنوع، وهو ما عزز تصنيفها عيدا وطنيا منذ ماي 2023، تكريسًا لإرث تاريخي متجذر في المجتمع المغربي.
ويرتبط تاريخ هذا الاحتفال، الممتد لآلاف السنين، بتولي الفرعون الأمازيغي شيشنق الأول الحكم سنة 950 قبل الميلاد، وهو التاريخ المعتمد كبداية للتقويم الأمازيغي. كما يتقاطع هذا الموعد مع ما يُعرف بـ«رأس السنة الفلاحية»، حيث يحتفي المغاربة برمزية الأرض والوفرة، باعتبارها مصدر العيش والعمل الجماعي، في تعبير واضح عن الاعتراف بجهد الفرد داخل الجماعة.
احتفال يحكي تعدد الثقافات
يوضح مصطفى مروان، الباحث في الثقافة الأمازيغية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن جذور هذا الاحتفال تعود إلى بدايات الزراعة بشمال إفريقيا قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، مبرزًا أن يناير يرتبط أساسًا بانطلاق موسم فلاحي جديد. ويشير إلى اعتماد الأمازيغ على التقويم اليولياني القديم، الذي يختلف عن التقويم الغريغوري الحالي بثلاثة عشر يومًا.
ويضيف الباحث أن اختيار سنة 950 قبل الميلاد يظل اختيارًا رمزيًا وتقنيًا، استُخدم كمرجع تاريخي واضح، قبل أن يتم اعتماده رسميًا مع إصدار أول تقويم أمازيغي سنة 1980 على يد الناشط الأمازيغي عمار نقادي.
ويؤكد مروان أن التقويم الأمازيغي غير مرتبط بأي حدث ديني، إذ يسبق التقويمات المسيحية والهجرية، مشددًا على أن الاحتفال بـ«يناير» ظل حاضرًا داخل الأسر والمجتمعات المحلية، حتى قبل اعتماده رسميًا بالمغرب ابتداءً من يناير 2024.
من جانبه، يرى عالم الأنثروبولوجيا الحسين بويعقوبي أن يناير يعكس حركية ثقافية مستمرة، موضحًا أن بعض الممارسات التقليدية قد تختفي بفعل التحولات الاجتماعية، بينما ينجح بعضها الآخر في الاستمرار والتجدد، كما هو حال رأس السنة الأمازيغية.
تقاليد متوارثة حسب المناطق
ويشير بويعقوبي إلى أن التقويم الأمازيغي ظل مرتبطًا لقرون بالحياة الزراعية، وحمل تسميات متعددة باختلاف الجهات. وتوضح الشاعرة المغربية صفية أزيدين أن يناير يجسد أسلوب عيش متكامل، خاصة بمنطقة ورزازات، حيث ما تزال طقوس الاحتفال تُمارس بالطريقة نفسها منذ أجيال.
وتضيف أزيدين أن الأيام التي تسبق رأس السنة تشهد استعدادات جماعية، تشمل تخزين الحطب وتبادل القمح والذرة والحبوب، تحضيرًا لطبق «تاگولة» التقليدي، الذي يُعد عنصرًا أساسيا في الوليمة الجماعية ليوم يناير، إلى جانب عادات أخرى تعكس قيم الجوار والتكافل.
وتبقى أبواب المنازل، حسب المتحدثة، مفتوحة بشكل رمزي لاستقبال الحظ الجيد، فيما يرتبط يوم رأس السنة بنهاية فترة زراعية معينة، تُستعمل بعدها النيران الجماعية إيذانًا بانطلاق موسم فلاحي جديد يأمل الجميع أن يكون خصبًا.
وتؤكد الشاعرة أن هذه الطقوس ذات جذور زراعية قديمة، ولا علاقة لها بمعتقدات وثنية، كما ترافق الاحتفالات رقصات جماعية مثل «أحواش» وممارسات تضامنية كـ«بريالو»، القائمة على جمع المواد الغذائية بشكل مشترك.
تقاليد تتجدد مع الزمن
وتبرز الأهازيج والأشعار المغناة، التي وثقتها صفية أزيدين، دعوات جماعية للتفاؤل بموسم فلاحي ناجح، معتبرة أن يناير مناسبة جامعة لكل المغاربة، تعكس تنوع روافد الهوية الوطنية، من الأمازيغية إلى الحسانية وغيرها.
ويرى الحسين بويعقوبي أن هذه التقاليد حافظت على جوهرها الرمزي، رغم تكيفها مع التحولات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية حاضر في مختلف مناطق المغرب، لدى الناطقين بالعربية والأمازيغية على حد سواء.
كما يلفت إلى دور الحركة الأمازيغية في إعادة الاعتبار لهذا الموعد الثقافي، قبل أن يتوسع الاحتفال به داخل الجمعيات ودور الشباب، ثم الفضاءات العمومية، خاصة بعد دسترة الأمازيغية لغة رسمية سنة 2011.
ويختم الباحث بأن التقويم الأمازيغي، الذي نظم حياة الفلاحين لقرون، اكتسب اليوم أبعادًا جديدة لدى الأجيال الشابة في المدن، ليرتبط أكثر بالهوية الثقافية، خاصة بعد إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية بقرار ملكي سنة 2023.



